توحيد الألوهية
توحيد الألوهية
فضيلة الشيخ وحيد عبد السلام بالي حفظه
الله*)
توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة.
أي إذا أردت أن توحد الله جل وعلا في
ألوهيته فعليك أن تفرده سبحانه وتعالى وحده بالعبادة، فلا تَتوجه بالعبادة إلا
إليه.
❓ولكن ما هي العبادة؟
🔺 يقول بعض العلماء: العبادة هي كل ما يحبه
الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
🔺 ويقول بعض العلماء: العبادة هي فعل
المأمورات والمستحبات طمعا في ثواب الله، والانتهاء عن المحظورات والمكروهات خوفًا
من الله.
فَالعبادة أيها الأحباب تنبني على أساس
واحد هو الذي يوجه القلب.
❓ ما هو الأساس الذي تنبني عليه العبادة لله
رب العالمين؟
♦️هذا الأساس هو مراقبة الله تبارك وتعالى.
·
فإن العبد الذي يقوم بالليل ويترك لذة
النوم، ويجاهد نفسه، ويصف قدميه لله رب العالمين ويظل راكعًا ساجدًا، يتلو كلام
الله ويسجد بين يدي الله، إنما يفعل ذلك طمعًا فيما عند الله من الأجر والثواب.
◇ عبادة
مبنية على مراقبة الله والطمع فيما عند الله والرجاء في ثواب الله.
·
وكَذلك العبد الذي مشى في الطريق، وظهرت
أمامه امرأة متبرجة فغض بصره عنها خوفًا من الله.
◇ عبادة:
مراقبة في القلب أثمرت رجاءً فأقام الليل، وخوفًا فغض بصره.
·
إن الذي يقتطع جزءًا من ماله ويتصدق به لله
رجاء ثواب الله جل وعلا.
◇ مراقبة
في القلب أثمرت رجاءً.
·
وإن الذي تقدم إليه رشوة كبيرة عظيمة قد
تغنيه، ويقبض يده ويقول: أعوذ بالله إني أخاف الله، لعن رسول الله ﷺ الراشي
والمرتشي ويرفض أن يأخذها خوفًا من الله.
◇ عبادة.
فالعبادة: شيء ينقدح في القلب، فيثمر
مراقبة للرب جل وعلا. تلك هي العبادة.
فتعال معي يا من تريد أن تخلص
العبادة لله وهي ما تسمى بِتوحيد الألوهية، تعال معي لتعرف المراقبة الحقيقية؛ لكي
تسلك طريق المراقبين، وتسير على طريق الصالحين، وتمشي على درب المخلصين.
❓❓ ما هي المراقبة؟
المراقبة: دوام علم العبد وتيقنه
باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه.
فهذا العلم واليقين الذي استقر في
القلب يثمر الإسراع إلى الطاعات والابتعاد عن المعاصي والسيئات، فمن حفظ الله
تعالى مع أنفاسه وراقب الله في جميع أحواله وعلم أن الله عليه رقيب ومن قَلبه قريب
يعلم أحواله، ويرى أفعاله، ويسمع أقواله، فهو المراقب ربه حقا.
❓ أكرر من هو المراقب ربه حقا؟
من حفظ أنفاسه وراقب الله في أحواله، وعلم
أن الله عليه رقيب، ومن قلبه قريب، يعلم أحواله، ويرى أفعاله، ويسمع أقواله، ذلكم
هو المراقب ربه جل وعلا. قال تعالى:
{وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبَا}
(الأحزاب: 52).
الله أكبر، وكان الله على كل شيء رقيبا،
¤ على كل شيء رقيبا،
- وكان الله
على كل شيء: قاعدة كلية تشمل جميع أحوال الإنسان،
- فَالله
رقيب عليك في نومك واستيقاظك،
- في جلوسك
وقيامك،
- في ذهابك
وإيابك.
- الله عليك
رقيب وأنت في العمل،
- الله عليك
رقيب وأنت في الصلاة،
- الله عليك
يا رقيب وأنت جالس مع الناس،
- الله عليك
رقيب وأنت وحدك.
🔺 قال تعالى:
{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ
إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ
مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ
يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ}.
¤ هذه الآية الكريمة تدل على:
- أن الله
معك بعلمه ومراقبته في جميع أحوالك
يا من تريد أن توحد الله توحيد الألوهية
وهو إفراد الله بالعبادة، لا بد أن تعرف معنى المراقبة، فإن علمت المعنى الإيماني
للمراقبة وطبقت ذلك في جميع أحوالك، فاعلم أنك فعلًا موحدٌ لله.
❓ قيل لأحد العلماء ما علامة المراقبة؟
🔺 قال: إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما
عظم الله وتصغير ما صغر الله.
الله أكبر. ما علامة المراقبة؟
- إيثار ما
أنزل الله
- وتعظيم ما
عظم الله
- وتصغير ما
صغر الله.
كلام جامع معناه:
- أن الله
آثر الآخرة على الدنيا فَلتؤثرها،
- وعظم
الطاعات والشعائر الدينية فلْتعظمها،
- وصغر شأن
الدنيا والشهوات فلتُصغرها.
🔺 وقيل: من راقب الله في خواطره، عصمه الله
في حركات جوارحه.
🔺 وقيل أيضًا:
☆ الرجاء يحرك إلى الطاعة،
☆ والخوف يبعد عن المعصية
>> والمراقبة تُؤديك إلى الطريقين،
أي إلى الخوف والرجاء معًا.
🔺 واسمع قول أحد العلماء حينما قال:
"إذا جلست للناس تكون واعظًا لقلبك ولنفسك قبل أن تعظهم، ولا يغرنك اجتماعهم
عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك".
الله أكبر، الله أكبر.
§
أيُها الاحباب: إن علم التوحيد إذا لم يثمر
في القلب، فليس بعلم النافع.
§
إن علم التوحيد إذا لم يجعلك عبدًا ربانيًا
تتحرك في طاعة الله، وتبتعد عن معصية الله فما فائدة دراسة التوحيد إذن؟
إذن:
☆ توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة.
☆ والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله
ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
☆ والعبادة مبنية على ركن ركين وهو
المراقبة.
☆ والمراقبة: هي التي تقودك إلى الرجاء
فتفعل المأمورات والمستحبات وهي التي تورث في قلبك الخوف من الله فتبتعد عن
المنهيات.
واعلم أن الله جل وعلا هو الذي يرزقك في
قلبك المراقبة، فاذا أردت أن تراقب الله، فادعُ الله، فاطلب من الله، فَتذلل بين
يدي الله أن يجعلك من المراقبين له، من السائرين على درب الصالحين.
المراقبة رزق، والتقوى رزق، والصلاح رزق،
وقيام الليل رزق والزهد في الدنيا رزق، وتلاوة القرآن رزق، وكثرة ذكر الله رزق
وشكر الله باللسان والقلب رزق، وكل طاعة الله رزق، فادعُ الله أن يرزقك طاعته
سبحانه وتعالى.
🔺 ولذلك يقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله
عنه: "يا معاذ إني لأحبك فلا تدعنَّ دبر كل صلاة أن تقول: " اللهم
أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
¤ تأمل ألفاظ الحديث؛ لم يقل له يا
معاذ كُن ذاكرًا شاكرًا، محسنًا لعبادة ربك وإنما قال له: قل: "اللهم أعني
على ذكرك وشكرك":
- أي: وأعني
على شكرك،
¤ وحسن عبادتك:
- أي وأعني
على حسن عبادتك؛ لِيورث في قلب معاذ أن الذكر والشكر وحسن العبادة إنما يكون
بإعانة الله وتوفيقه.
فإذا أردت أن تطيع الله، فاطلب من الله جل
وعلا أن يوفقك إلى طاعته ومرضاته.
العبادة ترتكز على المراقبة،
والمراقبة تكون في القلب.
🔺 فقيل: بأن المراقبة أن يصير الغالب
على العبد ذكره بقلبه أن الله مطلع عليه على الدوام، فيخاف سطوات عقوبته في كل
نفس، ويهابه في كل وقت.
🔺 ولذلك سأل أحد الشباب أحد العلماء فقال:
بما يستعين الرجل على غض بصره عن المحظورات؟
قال: بعلمه أن رؤية الله تعالى سابقة على
نظرة ذلك المحظور.
الله أكبر كلمات من ذهب.
من أراد أن يراقب ربه وأن يستعين على
غض بصره، فليعلم حين ينظر إلى المحرم أن الله ينظر إليه، وهو ينظر، أن الله مراقبه
وهو يلتفت بنظره إلى المنظور.
- من الذي
جعل لعينيك ضوءًا ونورًا ترى بهما؟ إنه الله.
- من الذي
خلق ليديك القوة؟ إنه الله.
- من الذي
خلق لرجليك القوة لتمشي؟ إنه الله، فأنت تتقلب في نعم الله فلا تعصِ الله
بنعمه.
العبادة: هي المراقبة، العبادة: هي
السير في طاعة الله والابتعاد عن معصية الله تبارك وتعالى.
🔺 ولذلك قيل لعبد الله بن المبارك: ما معنى
مراقبة الله جل وعلا؟ وَكيف يراقب العبد ربه؟
قال: كن أبدًا كأنك ترى الله.
كن أبدًا أبدًا، كأنك ترى الله، لا تراقب
الله في لحظات، وتغفل عنه في لحظات، بل ينبغي أن تستمر مراقب بالله تبارك وتعالى
دائمًا وأبدًا.
❓ لماذا؟ لأن الله جل وعلا كان على كل شيء حفيظا، أي يحفظ أعمالك وأقوالك، فمن علم أن ربه حفيظ، حفظ جوارحه وقلبه عن معصية ربه.
🔺قال تعالى:
{إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}
(هود :57).
يحفظ أعمالك وأقوالك لك، ورغم ذلك جعل لك
حَفظة يكتبون أعمالك وأقوالك.
🔺 قال تعالى
{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10)
كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)}.
¤ الكرام الكاتبين:
- كاتب عن
اليمين يكتب الحسنات، ملك كريم، وكاتب عن اليسار، يكتب السيئات، ملك كريم.
- تدخل غرفة
نومك فيدخلون معك،
- تنام على
السرير فَيظلان معك
- تذكر ربك
وأنت نائم، فَيكتب الملك ذكرك،
- تستيقظ
لقيام الليل فيكتب الملك قيامك،
- تنطق
بكلمات السوء فيكتب.
كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون.
🔺 قال تعالى:
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو
مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ
شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ
ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا
أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (يونس:61)
كل ذرة عملتها في كتاب مبين مكتوب
عليك واضح، وهذا الكتاب الذي في صفحة اليوم، وصفحة غدًا وصفحة بعد غد، وهكذا منذ
أن أوجدك الله إلى الموت، سيعلق هذا كتابك الطائر في عنقك، ويطلب منك يوم القيامة
أن تقرأ الكتاب بنفسك.
🔺 قال تعالى:
{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ
فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا
(13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}.
(الإسراء: 13،14)
نعم اقرأ كتابك، اقرأ كتاب أعمالك،
اقرأ طاعاتك وسيئاتك، إنها لحظة شديدة عصيبة، حينما نقف بين يدي الله يوم القيامة،
ويخرج لكل واحد منا كتابًا فيه كل ما عمله، ويوضع هذا الكتاب ليقرأه الإنسان،
ويتعجب من كل شيء في هذا الكتاب لا يغادره، بل كتب كل شيء فعلته صغيرًا وكبيرًا.
🔺 قال تعالى مُصورًا هذه اللحظة:
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى
الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ
هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49)
¤ ووضع الكتاب -كتاب أعمالك-
¤ فترى المجرمين مشفقين مما فيه، فترى
العاصين خائفين ما كتب عليهم فيه من معاصيهم وسيئاتهم التي فعلوها في الدنيا،
¤ يقولون: يا ويلتنا، يا هلاكنا، يا حسرتنا،
¤ مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
إلا كَتبها، إلا أحصاها.
{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا
يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.
❓ كيف سَتحاسب يوم القيامة، كيف ستقرأ
كتابك؟
🔺 يقول بعض العلماء: "كل شيء مكتوب
عليك في هذا الكتاب وسوف تقرأه بنفسك"
🔺 واستدلوا بقوله تعالى:
{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ
فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا
(13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}. (الإسراء:
13،14)
اقرأ كتابك، إذن ستقرأه بنفسك.
🔺 وقال بعض العلماء: لا، الأمر أشدَّ من
ذلك؛ إن الكتاب سَينطق بما فعلت.
قالوا: إذا كان أهل الدنيا قد
اخترعوا كتابًا ينطق ويتكلم فكيف والله جل وعلا هو الذي خلقهم وأوجد لهم هذه
العقول، فالله عز وجل أولى أن يجعل لك كتابًا ينطق بنفسه.
كيف اخترع أهل الدنيا كتابا ينطق؟ ضع هاتفا
محمولا يسجل، افتح التسجيل سيسجل الجلسة ساعة كاملة، بعدما تنتهي الجلسة سوف يعيد
لك ما كان في الجلسة من أقوال وأصوات، وكل شيء.
إذن هذا الكتاب المسمى بالتسجيل ينطق بنفسه
لا يحتاج إلى من يقرأه، بل ينطق بأصوات المتحدثين والمتكلمين فأنت ستسمع صوتك
وكلامك يوم القيامة من كتابك كالتسجيل تمامًا.
❓ ما الدليل على ذلك أيها القوم؟
🔺 قال بعض العلماء: الدليل قوله تعالى:
{هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم
بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية: 29)
¤ هذا كتابنا:
- أي ما
كتبناه عليكم من أعمالكم.
¤ ينطق:
- إذن
الكتاب ينطق كالتَسجيل تمامًا، كتابنا ينطق عليكم بالحق لا يَظلمكم، كل ما قلتموه
في هذا الكتاب ينطق عليكم بما فعلتموه وتَكلمتم به، ومشيتم إليه، كل شيء.
¤ {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ}:
- أي نكتب ما كنتم تعملونه في الدنيا،
إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون.
🔺 وقال بعض العلماء: بل إن الحساب يوم
القيامة يكون صوتًا وصورة، ترى نفسك بصوتك وصورتك وأنت تصلي، وأنت تصوم، وأنت
تَتصدق، وأنت تفعل الخير، أو ترى العكس، وأنت تسرق، وأنت تزني والعياذ بالله،
وأنت تشرب الخمر، وأنت تغتاب وتنم، وهكذا.
❓ قال: وما الدليل؟
🔺 قوله تعالى:
{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} أي
حاضرًا صوتًا وصورة أمامك تراه، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.
فَالعبادة أيها الأحباب الكرام مبنية
على المراقبة لله جل وعلا، راقب ربك.
واعلم أخي الكريم: أن العبد إذا استقرت
المراقبة في قلبه، فإنه سوف يرى عجبًا، ستتحول أحواله وأقواله إلى أحوال وأقوال
يحبها الله ورسوله.
لماذا؟ لأنه علم أن الله سميع بصير.
تعال معي لأِعطيكم مواقفًا وتستخرج
أنت من كل موقف العبادة!
♦️ حينما نزل قول الله تبارك وتعالى: {لَن
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}
- أي لا
تدخلوا الجنة حتى تنفقوا: أي لن تنالوا الخير والثواب العظيم عند الله، حتى تنفقوا
من المال الذي تحبونه.
تحب الأراضي، تنفق من الأراضي، تحب
السيارات تنفق من السيارات، تحب المال تنفق من المال، تحب الذهب تنفق من الذهب.
فجاء أبو طلحة رضي الله عنه إلى النبي ﷺ
وكان أبو طلحة من أكثر الأنصار مالًا، عنده حدائق في المدينة كثيرة، ولكن أفضل
حديقة له، هي حديقة في موقع متميز أمام المدينة النبوية، بل أمام المسجد النبوي،
تسمى حديقة بيرحاء، وكان الماء هناك عزيزًا، فكانت هذه الحديقة فيها بئر ماء عذب،
وكانت مزروعة نخلًا وفيها نخل كثير، وكانت حديقة يعرض عليه الأموال الكثيرة
ليبيعها فيرفض لأنها من أفضل أمواله، وله حدائق أخرى، ولكنها أقل منها في الجودة،
أقل منها في الموقع، ولكن موقع هذه الحديقة متميز ونخلها متميز لما فيه من الرطب
المتميزة وفيها ماء عذب.
فجاء أبو طلحة إلى النبي ﷺ، وقال: يا رسول
الله، لقد أنزل الله عليك { لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا
تُحِبُّونَ ۚ}، وإن أحب أموالي إليّ هذه الحديقة، هذا البستان الذي فيه هذا
النخيل الكثير وهي حديقة بيرحاء، يا رسول الله قد جعلتها لله ورسوله، تصدقت بها،
خذها ضعها حيث شئت يا رسول الله.
الله أكبر، ربح البيع، ربح البيع
فقال له رسول الله ﷺ: أبا طلحة، لقد سمعت
ما قلت، فرِّقها في أرحامك وأقاربك، فوزعها أبو طلحة على أرحامه وأقاربه.
❓ السؤال أين موطن العبادة هنا؟
🔅عبادة الرجاء، لأن أبا طلحة تصدق بهذه
الحديقة الغالية الثمن يرجو ثواب الله.
♦️ تعال إلى موقف آخر!
يقول النبي ﷺ:
"سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل
إلا ظله ". وذكر منهم رجلًا دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف
الله، أي دعته إلى الزنا والعياذ بالله، فقال: إني اخاف الله.
❓أين موطن العبادة هنا؟
🔅الخوف، خاف عقاب الله فامتنع عن فعل
المحرمات مع أن نفسه تشتهي ذلك.
امرأة ذات منصب وجمال، منصب: يعني لا يعلم
أحد بهذه الجريمة لمنصبها، وجمال يتمناها أي إنسان، ورغم ذلك خاف، قال:" إني
أخاف الله"
أين موطن العبادة هنا؟
الخوف الذي غلب على القلب.
♦️موقف آخر:
عمير بن الحمام رضي الله عنه، كما في صحيح
مسلم، لما قال النبي ﷺ قبل المعركة: " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض،
قال عمير بن الحمام رضي الله عنه: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض، وكان
في يده تمرات يريد أن يأكلها، قال: لئن أكلت هذه التمرات إنها لحياة طويلة، فرمى
التمرات ودخل يقاتل الكفار حتى قتل.
دخل وقاتل وتحمل أن يقتل وتقطع رقبته،
وتأتيه السهام في جسده فتحمل هذه الآلام رجاء ثواب الله، رجاء الجنة.
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}.
الله أكبر،
❓ أين موطن العبادة هنا؟
🔅 الرجاء: رجاء الجنة، رجاء رضى الله تبارك
وتعالى، رجاء ثواب الله جل وعلا.
هذه العبادة، ما هي العبادة؟
هي مراقبة في القلب تثمر خوفًا ورجاءً.
♦️ أعطيكم مثالًا آخر:
دخل عبد الله بن عمر البادية: يعني
الصحراء، فوجد راعيًا عبدًا مملوكًا يرعى غنمًا، قال يا غلام، بعنا شاة،
قال: ليست ملكًا لي، بل هي ملكٌ
لسيدي.
فقال عبد الله بن عمر للعبد المملوك: وهل
يراك سيدك الآن؟ قال له مختبرًا ممتحنًا، هل يراك سيدك الآن؟ بعنا شاة وخذ ثمنها،
وقل لسيدك أكلها الذئب،
فرفع الراعي يده إلى السماء وقاَل: وَأين
الله؟ وأين الله؟
فمضى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
وهو يقول: وَأين الله؟ وأين الله؟
أعجب بِهذا الراعي، ثم دخل مكة فسأل
عن سيد هذا الراعي فاشتراه منه، وأعتقه، واشترى الغنم وأعطاها له، وقال: يا غلام،
كلمة أعتقتك في الدنيا، أرجو أن تعتقك يوم القيامة.
❓ سؤال أين موطن العبادة هنا عند هذا
الراعي؟
🔅 موطن العبادة: الخوف، خاف أن يسرق الشاة،
أو يسرق ثمنها، فيعاقبه ربه.
❓ أين موطن العبادة في شراء العبد؟
وَإعتاقه عند ابن عمر:
🔅 الرجاء. فعل ذلك رجاء الأجر والثواب
رجاء أجر إعتاق الرقاب وأجر الصدقة.
إذن: إذا أردت أن تكون مخلصًا في
عبادتك لله، فلا بد أن تتَدبر في الركن الركين للعبادة وهو المراقبة، فلولا أن هذا
الراعي مراقب لربه ما فعل ذلك ولولا أن ابن عمر يرجو ثواب ربه ما فعل ذلك.
بل إن العبد إذا تحول من الشرك إلى
الإسلام، حَوله الإسلام إلى رجل آخر.
♦️ كان عمر ابن الخطاب في الجاهلية
شديدًا غليظًا، يعذب المسلمين وكان جافيًا قاسيًا، حتى قال بعض المسلمين لبعض: لن
يسلم عمر حتى يسلم حمار الخطاب، من شدة غلظته وتعذيبه للمسلمين
لما شرح الله صدره للإسلام وأسلم كيف
كان حاله؟
تحولت الغلظة إلى رقة، انظر إليه حينما كان خليفة للمسلمين ومضى
مع غلامه يتفقد رعيته فسمع بكاء أطفال في خيمة، فنادى: يا أهل الخيمة أنَدخل؟
فقالت امرأة عجوز: إن كان عندكم خير فادخلوا، فأخذ غلامه ودخل، فوجد الأطفال يبكون
ووجد القدر على الماء تغلي، فقال: يا أمة الله لماذا يبكون؟ قالت: من الجوع. قال:
ما هذا الذي في القدر؟ قالت: هذه حصوات وضعتها في الماء تغلي لكي أنيمهم، وأقول
لهم: اصبروا حتى يطهى الطعام فينامون، قال لها: ولماذا لم تذهبي إلى أمير المؤمنين
عمر يعطيك دقيقًا أو شيئًا من بيت مال المسلمين؟ فقالت: أين عمر؟ وهل يعلم
بنا عمر؟ فأخذ غلامه وجرى، وحمل جرابًا من دقيق، فقال له الغلام: أحمله عنك يا
أمير المؤمنين، قال له: ويحك، وهل تحمل عني أوزاري يوم القيامة؟ احمل عليّ، فحمله
عمر على كتفه، وجاء يجري فوصل للمرأة وقال: احضري الآنية، فأخذ يخبز لها، وقال:
ضعي ماءً في القدر، ووضع الدقيق وعمل خبزًا، ثم وضعه في التنور، وقال: خذي يا أمة
الله أطعمي الأولاد، أطعمي الأَولاد، أطعمي الأولاد، ثم تركهم يأكلون، وقال لها:
إذا كان في الصباح فاذهبي إلى أمير المؤمنين واذكري له شأنك، فإنه سوف يعطيك من
بيت مال المسلمين، قالت: والله إنك لأَحق بالأمر من عمر، وهي لا تعرفه. ثم قضى هو
وغلامه فقال الغلام: هيا نمشي، قال: انتظر خلف هذا الكثيب (يعني خلف هذا الجبل) لا
نمشي حتى يضحك الأولاد كما جئناهم يبكون لا ننصرف، أكلوا وأخذوا يضحكون ويلعبون،
فمضى عمر.
❓ ما الذي حوّل عمر من الغلظة في الجاهلية
إلى الرقة في الإسلام؟
🔅 إنها العبادة، إنها مراقبة الله تبارك
وتعالى.
- فأنت أخي
الكريم لن تتحول من قسوة القلب إلى رقته إلا بمراقبة الله
- ولن تتحول
من الغفلة إلى اليقظة إلا بمراقبة الله،
- ولن تتحول
من المعصية إلى الطاعة إلا بمراقبة الله جل وعلا،
فَمراقبة الله جل وعلا هي الركن الركين
الذي يجعل العبد يسير على طريق الله.
واعلم أن كلما رفعت قدمًا ووضعت أخرى كان
لها أثر في الأرض إما إلى الطاعة وإما إلى المعصية وهذه الآثار تكتب،
🔺 قال تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي
إِمَامٍ مُّبِينٍ}
إذن هذه الآثار تكتب عليك إما في الطاعة
وإما في المعصية، فاعلم أخي الكريم أنك إذا راقبت ربك فإن الله سَيعصمك من الذنوب
والمعاصي.
🔺 واسمع إلى قول القائل:
إذا ما خلوت بريبة في ظلمة ...
والنفس داعية إلى العصيانِ
فاستحِ من نظر الإله وقل لها ...
إن الذي خلق الظلام يراني
🔺 وانظر إلى قول القائل:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا
تَقُلْ ...
خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً
...
وَلا أَنَّ مَا تُخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ
واعلم أخي الكريم: أن العبد الذي يراقب ربه
ويرجو ثوابه، ويخاف عقابه، إنما يحسب أنفاسه وأوقاته، لكي يستمر على طاعة الله جل
وعلا، فإذا أردت أن تكون منهم فاحسب أوقاتك واصْبح في الصباح لا يكون لك هم إلا
الآخرة، إلا رضى الله تبارك وتعالى، يكفيك الله تبارك وتعالى جميع همومك.
🔺 قال النبي ﷺ:
"من أصبح وهمه الآخرة جمع الله له
شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح وهمه الدنيا فرق الله شمله
وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له".
والآن أيها الأحباب لنرَ فضل الرجاء
والتوكل على الله:
♦️ هذا رجل كان يعمل فنيّا لتصليح المكيفات
أو المبردات التي تبرد الهواء ولكنه لا يجد عملًا واستدان واشتد به الحال، فصلى في
مسجد ووجد الإمام يقول: من أصابه هم أو غم فليكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ،
فأخذ هذا الرجل على نفسه عهدًا أن يصلي على النبي ﷺ خمسمائة مرة، ومَرت أيام
وأسابيع فإذا برجل من السعودية يتصل به ويقول يا فلان هل أنت فني تكييفات، قال
نعم، قال قابلني في المكان الفلاني فنحن نطلب موظفين من هذا القبيل، فذهب إليه
فاختبره مع مجموعة من الموظفين الذين كانوا قد قدموا أوراقهم إلى هذه المكاتب
لِيسافروا إلى السعودية، وهذا الرجل لم يقدم لا ورقًا ولا شيئا، ونجح وهذا الرجل
السعودي جلس في السعودية لكي يُوزعهم على فروع مؤسسته وشَركته، اذهب أنت إلى الطائف
وأنت إلى الرياض وأنت الى كذا، فقال هذا الرجل اذهب إلى الطائف، فأخذ الرجل ينظر
إلى السعودي بشدة، فقال له السعودي : لم تنظر إلي يا مصري ؟ فقال له، أنا حتى
الآن متعجب.. أنت لا تعرفني، كيف اتصلت بي وأنا لم أقدم أوراقًا، قال له: أنا كنت
أنزل عند صديق مصري في غرفة وكان فيها تكييف صوته خشن ونزلت هذه المرة فوجدت صوته ناعمًا،
جيدًا فقلت له: من الذي أصلح لك التكييف؟ قال رجل أصلح لي التكييف، قلت له: أعطني
رقم هاتفه نحن نريد فنيي تكييف، قال: لا أعرف اسمه ولا رقم هاتفه، قال: فنظرت على
التكييف فوجدتك قد لصقت رقم هاتفك فاتصلت بك.
فقال الرجل المصري، أرأيت أنا كيف جئت هنا
؟ قال كيف؟ قال لما اشتدت بي الحال واشتدت علي الهموم فصليت الجمعة فسمعت الإمام
يقول: من كثرت همومه وأراد أن يفرجها الله جل وعلا فليكثر من الصلاة والسلام على
النبي ﷺ، فأصبحت أصلي على النبي عليه الصلاة والسلام كل يوم خمسمائة مرة، قال
الرجل السعودي أنت جئت إلى هنا بالصلاة على النبي ؟ قال نعم، قال إذن أحولك من
الطائف إلى المدينة النبوية، مدينة رسول الله ﷺ لكي تصلي كل صلاة في مسجد الحبيب
عليه الصلاة والسلام ويكون عملك في هذا المكان، ويقول الرجل منذ عشر سنوات وأنا في
مدينة رسول الله ﷺ.
*) جزء من شرح البداية في العقيدة، محاضرة مادة العقيدة في كلية العلوم الشرعية والعربية بجامعة صفوة
تعليقات
إرسال تعليق